ابن قاضي شهبة

515

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

على إمامته ، شرقا وغربا ، المقر بفضله السّراة والحداة عجما وعربا . من لم تر العيون مثله ، قبله ولا ترى بعده ، ربّاه في حجر الإمامة ، وحرّك ساعد السعادة مهده ، وأرضعه ثدي العلم والورع ، إلى أن ترعرع فيه ويفع . أخذ من العربية وما يتعلق بها ، أوفر حظّ ونصيب ، فزاد فيها على كلّ أديب ، ورزق من التوسّع في العبارة وعلوّها ، ما لم يعهد من غيره ، حتى أنسى ذكر سحبان ، وفاق فيها الأقران ، وحمل القرآن ، وأعجز الفصحاء اللّدّ وجاوز الوصف والحدّ . وكلّ من سمع خبره ، أو رأى أثره ، فإذا شاهده أقرّ بأنّ خبره يزيد كثيرا على الخبر « 1 » . ويبرّ على ما عهد من الأثر . وكان يذكر دروسا ، يقع كل واحد منها في أطباق وأوراق ، لا يتلعثم في كلمة منها ولا يحتاج إلى استدراك عثرة ؛ مارّا فيه كالبرق الخاطف ، بصوت مطابق كالرعد القاصف ، يعرف فيه المبرّزون ، ولا يدرك شأوه المتشدقون المتعمقون . وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة ، كنه الفصاحة ، غيض من فيض ، ما كان على لسانه ، وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه » « 2 » . تفقّه في صباه على والده ركن الإسلام ، فكان يزهى بطبيعته وتحصيله ، وجودة قريحته وكياسة غريزته . لما يرى فيه من المخايل مختلفة فيه ، من بعد وفاته ، وأتى على جميع مصنفاته ، فقلبها ظهرا لبطن ، وتصرّف ، وخرّج المسائل بعضها على بعض ، ودرّس سنين ولم يرض في شبابه بتقليد والده ، وأصحابه . حتى أخذ في التحقيق ، وجهد واجتهد في المذهب والخلاف ، ومجلس النظر ، حتى ظهرت كفايته ولاح على أيامه همة أبيه وفراسته ، وسلك طريق المباحثة ، وجمع الطرق بالمطالعة ، والمناظرة ، والمناقشة . حتى أربى على المتقدمين ، وأنسى تصرفات الأولين وسعى في دين اللّه سعيا ، يبقى أثره إلى يوم الدين . ومن ابتداء أمره ، أنه لما توفي أبوه كان سنّه دون العشرين أو قريبا منه ، فأقعد مكانه للتدريس ، فكان يقيم الرّسم في درسه ، ويقوم منه ويخرج إلى مدرسة البيهقي ، حتى حصّل الأصول ، وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف الأسفرائيني ، وكان يواظب على مجلسه .

--> ( 1 ) نفسه 1 / 480 ، 183 ، سبط ابن الجوزي : مرآة الجنان 3 / 124 . ( 2 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 1 / 174 . وما بين القوسين ورد في الصفحة السابقة على أنه ملخص عما أورده عبد الغافر الفارسي في ( تاريخه ) .